أحمد أمين
39
كتاب الأخلاق
أكثر ما يكون نتيجة البيئة . وليس أدل على قوة أثر البيئة مما يشاهد من أن أبناء الحارات والشوارع إذا انتزعوا وهم صغار من بيئتهم الفاسدة تغيرت أخلاقهم تغيرا كبيرا وشبوا شبابا حسنا ، وهم لو تركوا في بيئتهم لشبوا متشردين أو مجرمين ، حتى قال بعضهم : « لا أثر للآباء مهما ساؤوا إذا أخذت الأولاد منهم قبل أن يدنسوا بهم وأحيطوا ببئة طيبة » . ولو أن سقراط أو أفلاطون أو أرسطو نشأ في بيئة لا تساعد عقله على النمو ما كان فيلسوفا بل لكان رجلا خاملا ، وكذلك كل نابغ ، وكثير مما ينسب إلى الوراثة يجب - إذا دقق فيه - أن ينسب إلى البيئة ، ولا سيما ما يسمونه بالوراثة الاجتماعية ، ويعنون بها النظام الاجتماعي للأمة والنظم السياسية والأفكار والآراء العامة ، فهذه تؤثر في عقول الأفراد وتصوغها في قالب خاص ، ثم يرثها الخلف عن السلف ؛ وهذه في الأصل لم تكن إلا بيئة . ومهما يكن من الخلاف ، فإن البيئة والوراثة هما العاملان المكونان للجسم والعقل والخلق ؛ كما يقول الشاعر العربي : رأيت العقل عقلين * فمطبوع ومصنوع ولا ينفع مصنوع * إذا لم يك مطبوع كما لا تنفع الشمس * وضوء الشمس ممنوع وكما يقول بعضهم : هما كالمضروب والمضروب فيه ، إذا كان أحدهما صفرا كان الناتج صفرا ويتضاعف أحدهما بالآخر ، ولا تستطيع البيئة - ومنها التربية - أن تخلق شيئا لم يكن ، ولا أن تجعل من الأبله فيلسوفا ، ولا من حرم خفة اليد مصورا ماهرا . ولكن يجب أن يحاط كل ناشىء بالبيئة الصالحة لتصلحه على قدر استعداده ، من المستحيل أن يوزن كل من الوراثة والبيئة بالميزان المضبوط وتحدد بينهما نسبة دقيقة . الإرادة قدمنا أن الأعمال قسمان : أعمال غير إرادية ، أعني لا دخل للإرادة فيها ؛ كضربات القلب وعملية الهضم . وأعمال إرادية ، وهي التي تكون الإرادة سببا في وجودها ؛ كالكتابة والخطابة .